الثعلبي

52

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

ونسختها آية القتال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . قال أكثر المفسرين : سورة النحل مكية كلها إلّا ثلاث آيات وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخرها ، فإنها نزلت بالمدينة في شهداء أحد ، وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلهم يوم أحد في تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة ، حتّى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا وقد مثّل به غير حنظلة الراهب فإن أباه أبو عامر الراهب كان مع أبي سفيان ، فتركوا حنظلة لذلك ، فقال المسلمون حين رأوا ذلك : لئن أظهرنا الله عليهم لتزيدنّ على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ولنفعلنّ ولنفعلنّ ، ووقف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم على عمّه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وإذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه ، وأخذت هند بن عتبة قطعة من كبده فمصته ثمّ استرطبتها لتأكلها ، فلم تلبث في بطنها حتّى رمت بها ، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « أما إنها لو أكلته لم تدخل النار أبدا ، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئا من جسده النار » فلما نظر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحمة الله عليك فإنك ما علمتك ما كنت إلا فعالا للخيرات وصولا للرحم ، ولولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أدعك حتّى تحشر من أفواه شتى ، أم والله لئن أظفرني الله عليهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك » [ 13 ] « 1 » . فأنزل الله تعالى وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بل نصبر » [ 14 ] فأمسك عمّا أراد وكفّر يمينه . وقال ابن عبّاس والضحاك : وكان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال ، فلمّا أعز الله الإسلام وأهله ونزلت براءة وأمروا بالجهاد ، نسخت هذه الآية . وقال قوم : بل هذه الآية محكمة وإنما نزلت فيمن ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالم أكثر مما نال الظالم منه أمر بالجزاء أو العفو ونهى عن الاعتداء . وهذا قول النخعي والثوري ومجاهد وابن سيرين ، ثمّ قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بمعونة الله وتوفيقه وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ في إعراضهم عنك وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ . قرأها بكسر الضاد هاهنا وفي سورة النحل ابن كثير والباقون : بالفتح واختاره أبو عبيد ، وقال : لأن الضيق في قلة المعاش وفي المساكن ، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه ضيق . وقال أبو عمرو وأهل البصرة : الضّيق بفتح الضاد ، الغم والضيق بالكسر [ الشدّة ] .

--> ( 1 ) المستدرك للحاكم : 3 / 197 ، وأسباب النزول للواحدي : 192 .